المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان

313

مجموع رسائل الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة

القصد وانتفاء العبث . الجواب : اعلم أن الواجب على المكلف أن يعلم أن اللّه تعالى لا يفعل فعلا إلا لحكمة تحسن ، وإن لم يعرف وجب عليه التسليم ولم تلزمه المناقشة عن الوجه . ألا ترى أنا لو هجمنا على آلة صانع قد قضينا له بالحكمة في صناعته فرأينا اختلاف تقديرها وحجومها في الصغر والكبر ، والغلظ والرقة أنا نقضي أنه ما فعل شيئا منها على ذلك الوجه إلا لغرض يخصه ، وإن لم نعرف ذلك الغرض فالباري سبحانه أولى بتسليم الحكمة له ، والقضاء بأنه لا يفعل إلا ما يتعلق به الصلاح ، ويلازمه الحسن ، وقد بينا أن الكلام في هذه المسألة لا يقع إلا مع من أثبت للعالم إلها قادرا عدلا حكيما لا يفعل فعلا إلا لحكمة ، وقد انتفى كون خلقهما عبثا ، فهذا هو الكلام في هذه المسألة على وجه الجملة . وأما الكلام على وجه التفصيل فنقول : إن المراد بخلقهما اعتبار المكلفين من الملائكة وغيرهم من المتعبدين ، فاعتبار الملائكة بما يعاينوه فيهما من آثار الصنعة ، ومواقع الحكمة ، وطرائق القدرة ، فيكونون مع ذلك أقرب إلى فعل الطاعة والانقياد للعظمة ، ولا شك أن الفعل الذي يكون مقربا للمكلف من فعل الطاعة وترك المعصية حسن تحكم بحسنه العقول السوية . وأما الجن والإنس فتعلقت مصلحتهم بأن يعلموا من جهة السمع أن له سبحانه عرشا وكرسيا في مقدار من الجسمية عظيم ، وأنه حافظ لهما ، وممسك لهما أن يزولا عن أماكنهما ، وأن ينحطا على ناحيتهما بغير علاقة ولا عمد ، مع أنهما في غاية من العظم ولم يشغله ذلك عن حفظ السماوات والأرض وما بينهما ، ولا آده - بمعنى هاضه وبهضه - حفظهما ، وهو العلي عن ظلم عباده ، العظيم عن لحوق السآمة ، ولا شك أن العاقل إذا سمع بعظم اقتدار ملكه وشدة حفظه لملكه مع سعته